17/07/2026
¬ ((تهجير قبيلة الهماوند إلى ليبيا))
بقلم محمدسعيد هماوند
:
أعلنت قبيلة (هماوند) التي تسكن حوالي مدينة السليمانية وبازيان و (چەمچەماڵ ) و أرجاء من محافظة كركوك الثورة على الأمبراطوريتين العظميين في أعقاب معركة جالديران عام 1514م وأستمرت الثورة لأربعة قرون – سبق وأن تناولناها بالبحث والتفصيل في مقالاتنا المنشورة بحلقات مسلسلة - وفي أواخر القرن التاسع عشر سيّر الباب العالي قوة عسكرية كبيرة ضاربة للقضاء على تلك الثورة وقد بطش العثمانيون بالثوار الهماوند و أنتصروا عليهم في معارك دامية غير متكافئة بالعدد والعدة . وللحيلولة دون قيامهم بأستئناف الثورة فقد قررت السلطات العثمانية بتهجير القبيلة وتوزيعها على أماكن متفرقة في الأناضول , غير أن أعداد كبيرة منهم تمكنوا من الفرار من المنفى والعودة الى ديارهم الأصلية مما أربكت السلطات العثمانية , وفد.
سمع والي ليبيا ( أحمد راسم باشا ) الذي حكم البلاد لمدة طويلة بهذا الأمر وأراد مساعة دولته في حل هذه المعضلة ففكر بدهاء في حل قاطع يقضي على جذور تلك الثورة الكوردية وأقترح ارسال عدة مئات من العوائل القيادية والمتنفذة إلى شمال أفريقيا على أن يتم نوفير المؤن الغذائية والمالية والأمدادات اللازمة للزراعة من بذور وأدوات زراعية لغرض أسكانهم في منطقة السرت والجبل الأخضر المشابهة لمناطقهم الأصلية بغية أستقرارهم.وقد وافق الباب العالي على تلك المقترحات وأصدر الأوامر بالمباشرة في النتفيذفي عام 1890 م بنفي بعض أفراد القبيلة الذين سبق للسلطات العثمانية أن نفتهم إلى منطقة الأناضول إلى مدينة بنغازي في ليبيا لتوطينهم في منطقة الجبل الأخضر ، ثم أرسلت جماعة أخرى إلى مدينة طرابلس الغرب ، حاولت الجماعة الأخيرة الانضمام إلى أبناء جلدتهم فانتقلت إلى مدينة بنغازي ، إلا أنهم لم يوفقوا في مسعاهم ذاك بسبب العراقيل الكثيرة التي وضعتها السلطات العثمانية في وجههم في ولاية بنغازي.
حيث يوثق الأرشيف العثماني حادثة نفي جماعة من الهماوند إلى طرابلس الغرب في ليبيا، في الوثيقة تحمل الرقم 1509، من المجلد 47 رمز الخزانة DH.MKT. تاريخ 11 شعبان 1305 هـ تتحدث عن “طرد المشاغبين (ويقصد بهم الثوار الهماوند) المبعدين من جنوب كوردستان ، والذين أخلوا بالأمن هناك، إلى طرابلس الغرب”. [الأرشيف العثماني)].
وفي مقال للباحث الليبي أسامة وريث أوضح من خلال اقتباسه لصورة للكُورد الهماوند من كتاب الحياة في طرابلس (الصورة موجودة في اللواحق) للأديب الأمريكي جورج طومبسون وصفه بوجود مستوطنة كُوردية جنوب طرابلس ويقول :
"كبار رجال الجماعة منفيون لأسباب أمنية، ثم عمل أفرادها لاحقاً في الدرك /البوليس المحلي."
و أيضاً يشير إلى اقتباس من كتاب (تاريخ تريبوليتانيا منذ الغزو العربي حتى عام 1911) للمؤرخ الشهير إيتوري روسي الذي ترجمه خليفة التليسي باسم ( تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى عام 1911) يقول :
" نزل أكراد بجنوب طرابلس، واختلط آخرون بدماء قبائل ورشفانه، و آخرون امتزجوا بالغز التركمان في يفرن."
رفضت الأسر الكوردية المنفية إلى ليبيا الرضوخ لهذه الخطوة العثمانية و أبت العمل في الزراعة في ولاية بنغازي مما دفع بحكومة الولاية إلى محاولة استقرارهم في مدينة سرت الليبية و تقديم الأموال اللازمة لهم للعمل على زراعة أرضها الخصبة ولكنها باءت أيضاً بالفشل فكتب الوالي ( أحمد راسم باشا) ثانية لحكومته العالية في اسطنبول يخبرها بفشل محاولاته كلها و بإصرار الكورد على العودة إلى وطنهم الأصلي و عزى فشل مشروعه ذاك إلى قلة خبرتهم في الأعمال الزراعية معللاً ذلك بأن غالبيتهم من الرحل الذين لا يجيدون الزراعة.
و لكن يبدو أن خطابه ذاك قد أجيب بوجوب المحاولة ثانية من أجل دمجهم مع المجتمع الجديد بأية وسيلة كانت ، لذا سارع الوالي الليبي إلى إلحاق الغير متزوجين منهم بالقوات العسكرية النظامية العاملة في الولاية و خاصة القوات البحرية منها و إرغام الآخرين على العمل ضمن قوة حرس الموانئ و الأمن في البلاد و هكذا تم توطينهم في ليبيا إلى حد ما.
حاول بعضهم بزعامة حسن بك، وعلى رأسهم زعماء الهماوند محمد أغا سليمان، ورشيد بن فتاح، وعبد القادر بن حسين بك، وحسين علي، ومصطفى بن كامل، وكريم بن فتاح اتجهوا ناحية الشرق للعودة إلى بلادهم لكن قوة من سلطات الولاية تتبعتهم وتبادلت معهم إطلاق النيران، وألقت القبض عليهم وصادرت أسلحتهم بعد أن قتلت زعيمهم حسن بك في أغسطس 1891.[حامد محمود عيسى، المشكلة الكردية في الشرق الاوسط منذ بدايتها حتى عام 1991م]
رغم ذلك ظل زعماء الهماوند على إصرارهم على العودة الی مناطقهم الٲصلية بصحبة عوائلهم في رحلة طويلة شاقة عبر الصحراء یسیرون ٲثناء الليل مهتدين بالنجوم والكواكب السماوية لمعرفة الٳتجاهات الصحيحة المعروفة لدی دليلهم المسمی حمه علي خولام الهماوندي -( جد لواء الشرطة المتقاعد محمد صابرسليمان الهماوندي)- الذي كان خبيراً في النجوم والٲبراج السماوية، وكانوا یختبئون ٲثناء النهار في الواحات الصحراوية ومنابع المياه للراحة وتجنب الحرارة ، وكانوا یسلكون الطرق والمسالك الفرعية تجنباً للكمائن والدوريات التي كانوا یصطدمون بها ٲحياناً ویشتبكون معها في صدامات مسلحة ويجتازونها بقوة السلاح، وقد ٳستغرقت تلك الرحلة بضعة شهور لاقی خلالها العديد من المسنین والمرضی حتفهم ودفنوا في مواقع موتهم، كما عجزت ٲعداد من العوائل عن مواصلة المسير وبقوا في مناطق توقفهم لكي يسكنوا فيها الی الٲبد.
ٳن الهماوند الموجودین في الوقت الحاضر في بلدان شمالي ٲفريقيا ومصر والٲردن وسوريا وغربي العراق هم ٲحفاد تلك العوائل، وربما ٳندمجت بعضهم مع تلك المجتمعات وفقدت ملامحها الٳثنية بحكم الظروف.
¬ يتبين من الوثائق التحقيقية العثمانية الرسمية مع المنفيين الكورد الهماوند في ليبيا أنهم عرفوا أنفسهم باللقب الكوردي مثل حسين آغا الكوردي وسليمان آغا الكوردي واليوم يقيمون في المدن الليبية بنغازي وسيرت و مصراتة ويعرفون بإسم قبيلة الأكراد يزاولون مهنة التجارة ويشتهرون بحسن المعاملة والصدق.
وفي هذا السياق أشار وريث إلى اقتباس من كتاب (تونس طرابلس اليوم 1903) للمؤرخ الإيطالي جوستافيو روسي خلال عرضه لبعض عناصر التجار المقيمين بطرابلس :
"وجوه الأتراك من أبناء آسيا تبدو واضحة، وفي المدينة الكثير من العناصر الثائرة ومن المغامرين( الأكراد و الشراكسة)."
وكان للحرفيين الاكراد تأثيرهم الواضح فى عادات وتقاليد ليبيا خصوصا طرابلس فتأثر حتى الزي الليبي باللمسات التقليدية الكوردبة, النسائي الذى يتم ارتدائه بالأفراح يحمل اسم الكوردية الفرملة صديري وساهم هؤلاء القوم بالمشهد الليبى سياسيا وثقافيا وكان لهم دور بتاريخ ليبيا المعاصر فمنهم رجال دولة وسياسيين وفنانين ومثقفين كالفنان سمير الكردي.
بقلم ( محمدسعيد هماوند)
مصادر البحث :.
الكتب:
¬ هنريكو دي أغسطيني، سكان ليبيا، م. خليفة محمد التليسي، الدار العربية للكتاب، ليبيا 1974، ج 1 و 2.
المقالات :
¬ د. أسامة وريث (باحث ليبي) عائلة كُردية بطرابلس سنة 1894.
¬ محمد شعبان، هجّرهم العثمانيون من بلادهم خوفاً من ثورتهم.. قصة توطين الأكراد في ليبيا، رصيف 24، 2019.
¬ عبد الحميد مجدوب، تاريخ القبائل الكردية القديمة واندماجها بالأمة الليبية قبل وبعد الوجود العثمانى بليبيا .!!
المصادر المستخدمة في المقالات ||
¬ جورج طومبسون، الحياة في طرابلس، إدوارد هويل، 1894 م.
¬ د. رمضان ششن، دور الأتراك في إفريقية الشمالية والمغرب قبل العثمانيين،مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية،إسطنبول، تركيا.
¬ روني صوفي ،أكراد ليبيا، جريدة دنگي كورد، 2008م
%%%%%%%%%%%